Sunday, January 24, 2016

موت الرجل الوحيد على الأرض by نوال السعداوي









"موت الرجل الوحيد على الأرض" هو عنوان طويل لرواية قصيرة للروائية والمفكرة نوال السعداوي، صُدرت سنة  1975  بدار الآداب. وهي رواية واقعية اجتماعية تدور أحداثها في قرية كفر الطين بمصر في منتصف القرن العشرين، حيث يعيش الفلاحين الفقراء والمنهزمين من أجل قوت عيشهم حياة مليئة بالظلم والقهر الاجتماعي. يتم تخويفهم من طرف العمدة وبوليس الحكومة وفي نفس الوقت تجهيلهم من طرف رجال الدين الذين يستغلون مظهرهم وثقة الناس بهم من أجل تكريس سلطة العمدة وإن كانت سلطة استبدادية. كل هذا من أجل استمرار عمل نفس النظام الاجتماعي الظالم والعنصري ضد النساء والفقراء.

تطرح الرواية موضوعين أساسيين هما: العنف ضد المرأة الذي يتجلى في التحرش الجنسي، زواج القاصرات والعنف المنزلي. الموضوع الثاني: القمع واستغلال السلطة سواء سلطة العمدة القانونية والإدارية أو سلطة شيخ القرية الدينية الاجتماعية فهما معا يعملان مع الحكومة ضد مصلحة الفلاحين وسكان القرية. من بين المواضيع الأخرى التي تم طرحها بشكل سريع: ختان الإناث، الأطفال خارج الزواج اللذين يلقبون بأطفال زنا وأولاد الحرام...
أنهيت الرواية في أقل من يوم واحد وهذه أول قراءة لي لنوال السعداوي التي أتعرف عليها كروائية لأول مرة. إنها بالفعل كاتبة متمكنة من الكتابة الروائية. في البداية لم تعجبني الرواية التي شعرت أنها ضعيفة وكان هذا مجرد شعور زائل في الفصول الأولى لأنها البداية وبسبب إيقاع السرد المختلف لكن بعد التمعن أدهشتني نوال الروائية. إنها تمزج بين السرد والوصف والحوار ببراعة وتنتقل بين الماضي والحاضر بليونة. هناك مقاطع تتكلم فيها عن الجنس من دون خدش للحياء لدرجة أن القارئ قد لا يفهم نهائياً ما هو موضوع الوصف... لكن مع القراءة المتفحصة يمكن فك شفرة الكلمات، فهي تستخدم تلميحات ذكية جداً من خلال تشبيهات مبتكرة. لا يوجد إطناب أو إطالة في الفصول مع العلم أن مواضيع الرواية متعددة والشخصيات كثيرة لأنه لا يوجد شخصية بطل رئيسية.
الرواية اجتماعية وفي قمة الواقعية وأتمنى أن تتحول لفيلم سينمائي مصري. إنها تستحق أن تعرض في الشاشة الكبيرة لكي يعرفها جمهور أكبر. خصوصاً في هذه الفترة التي ينتشر فيها الوعي واهتمام الناس بالشأن السياسي والاجتماعي ببلدانهم. في نهاية الرواية هناك بذور ثورة فلاحين قادمة والأسطر الأخيرة للرواية ليست سعيدة ووردية بل واقعية ولو لم تكن كذلك لما صدقها القارئ.
الرواية هي نقد للمجتمع الذكوري الأبوي وفضح للتقاليد والعادات الموروثة والخرافات التي يتم منحها صبغة دينية فالتعاويذ السحرية تختلط بالآيات القرآنية. تكشف نوال بجرأة عن المفسدين الحقيقيين في المجتمع، الفاسدين الذين يعملون في الخفاء بنظام وانسجام ويخدعون الناس بالأخلاق الزائفة والتدين الظاهري الكاذب ويستغلون سلطتهم لممارسة الظلم واغتصاب حقوق الناس. 
إنها رواية إنسانية اجتماعية همها الدفاع عن المرأة والفلاحين... وغرضها التحرر من الخوف والقهر الاجتماعي والاستبداد باسم الدين.

من بين نقط القوة في الرواية التي أعجبتني كثيراً.

1- حضور الحيوانات والتعبير عن مشاعرها ووصف أحوالها مما يعطي شعوراً للقارئ بتقدير الحيوانات وأيضاً اعتراف بوجود هذه الكائنات الحية التي تساعد الإنسان.. ولا تطلب مقابل سوى الشفقة والعطف.
2- لا يوجد فصل في الرواية بين أحوال الجسد والنفس وهذا الانسجام الكلي أعجبني وأعتبره في غاية الأهمية.
3- دقة التعبير عن لغة الجسد وملامح الوجه مثل حركة الشفاه أو طريقة المشي. "أطلقت الأم ضحكة ساخرة مألوفة ومميزة لسيدات المجتمع في القاهرة وهي ضحكة تطورت عن الشهقة الممطوطة أو الشخصير الذي تطلقه ابنة البلد من أنفسها أو المعلمة الكبيرة حين لا يعجبها الكلام. "ص62.
4- تعدد الشخصيات الأنثوية وتعدد القصص ففي الرواية لا يوجد شخصية بطل رئيسية.. توجد قصة زكية مع أخبيها كفراوي وابنها جلال وبنات أخيها نفيسة وزينب. قصة الشيخ حمزاوي مع زوجته فتيحة. قصة العمدة مع أمه الإنجليزية وأخيه المتفوق وتوجد شخصيات أخرى مثل الحاج اسماعيل وشيخ الحفر والداية أم صابر...
5- براعة الوصف والتلميح فيها يخص العلاقة الجنسية من دون خدش حياء. في ص 72 تصف الساردة علاقة جنسية بين كفراوي و الجاموسة.
6- المزج بين المواضيع المختلفة وبين الدين والسياسية والجسد والسلطة... بالإضافة لتداخل الأزمنة ومشاعر الشخصيات وكل هذا يحدث بانسجام ومن دون خلق ارتباك للقارئ.
7- هناك تكرار لعبارات كاملة وأظن أن الهدف هو تحقيق وظيفة تأكيدية للقارئ. مثل عبارة : تحدي اشبه بالغضب أو غضب أشبه بالتحدي"في الصفحة الأولى. " باصرار أشبه بالجنون أو جنون أشبه بالاصرار" ص175 

نقط سلبية في الرواية: 

1- النهاية واقعية لكنها مفتوحة وغير كافية ومشبعة للفضول.
2- هناك قفز على بعض الأحداث والشخصيات المهمة في الرواية وتجاهل لتطور شخصيات تم تسليط الضوء عليها في الرواية... بصراحة، الرواية يجب أن تصل ل300 صفحة ويجب أن تكون أضخم، وهذا بسبب تعدد الشخصيات والمواضيع.

إقتباسات أعجبتني.

"يخلق من ظهر العالم فاسد" ص29.
" الليل أكثر آماناً من النهار." ص39.
" الواحد منا لا يتعلم بالمجان" ص46.
"الرجال طول عمرهم فاسدون ولكن الجديد الآن النساء فسدوا أيضاً." ص61.
" لا شيء يسقط في العدم ولو كان قطرة في بحر أو لحظة قصيرة في خضم الزمن" ص66.
" يشعر الفلاحون بكراهية خفية شبه غريزية يحسون بها نحو الشرطي وكل رجال الشرطة وكل مندوبي الحكومة. عداء خفي قديم يكنه الفلاحون للحكومة، يدركون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون أنها تعمل على الدوام ضد مصلحتهم وتنهب جسدهم وعورتهم." ص91. 
" لا يهمهم من هو الضارب أو من هم المضروب، وإنما هي تلك المتعة الإنسانية الغريبة لأي صراع بين قوتين، كصراع الثيران، أو سباق الخيول، متعة قد يدفع البعض من أجلها الكثير، يتلهون بمشاهدة الصراع في العالم الخارجي عن الصراع الداخلي في أنفسهم" ص165.
" الأذكياء فقط هم الذين يعرفون الشك" ص191.
" الجوع لا يعرف الناس تعرف أحداً" ص193.

No comments:

Post a Comment

تُسعدني مشاركتك و إضافتك في المدونة
أشكرك على تعليقك^_^